ابن الحسن النباهي الأندلسي
80
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
عن طريقي إليه ؛ فدخلت عليه في المسجد الجامع ؛ فوجدته غضبان . فنبّهني وقال : « عصيتني ، ولم تأخذ طابعي » فقلت له : « لم أفعل ! وقد عرّفت المرأة بوجه تأخيري » . فقال لي : « وربّ هذا البيت ! لو صحّ عندي عصيانك ، لأدّبتك » ثمّ قال لي : « أنصف هذه المرأة » فقلت : « أوكّل من يخاصمها عنّي » فأبى عليّ إلّا أن أتكلّم . فلمّا رأيت صعوبة مقامي ، أعطيتها بدعواها ، ونجوت بنفسي . أفيحسن عندك ، يا مولاي ، أن يركب منّي قاضيك مثل هذا ، ومكاني من خدمتك مكاني ؟ » قال : فتغيّر وجه الأمير محمد ، وقال له : « يا بدرون ، اخفض عليك ! فمحلّك منّي تعلمه ؛ فسألنا به حوائجك ، نجبك إليها ! ما خلا معارضة القاضي في شيء من أحكامه ؛ فإن هذا باب قد أغلقناه ؛ فلا نجيب إليه أحدا من أبنائنا ، ولا من إخواننا ، ولا من أبناء عمّنا ، فضلا عن غيرهم . والقاضي أدرى بما فعل ! » فمسح بدرون عينيه ، وانصرف . قال القاضي أسلم : وإنما كان يحتمل مثل هذا من أولئك القضاة . وأما أمثالنا نحن فلا . وصدق أسلم - رحمه اللّه - فالقهر بالحكم لا يحتمل في الغالب ، إلّا لمن تخلص نيّته في القصد به وجه اللّه . وما تسرع ملامة الناس إلّا لمن يتّقيها ويتخوّف عاقبة أمر أهلها . وسخط اللّه أكبر من ملامة الخلق . ونسأل اللّه الهداية والوقاية ! وكثيرا ما كان ابن أسود ينشد : [ البسيط ] تضحي على وجل تمسي على وجل * بين الأقارب والجيران والخؤل كل التراب ولا تعمل لهم عملا * فالشّرّ أجمعه في ذلك العمل وكانت فيه دعابة تستحسن وتستظرف ، منها أنّه كان يعلم شدّة شهوة إبراهيم بن يزيد في الصلاة بالناس ، وترشيحه نفسه لها ؛ وتربّصه به الدوائر ليثبت عليها . فلم يشعر سليمان غداة يوم من بعض الجمع ، وقد أحبّ الدعة في بيته ، إذ استأذن عليه إبراهيم المذكور . فذهب إلى المداعبة به ، وقال لغلامه : « اخرج إليه متباكيا ، واظهر الإشفاق عليّ ، وقل له : أحسب مولاي في الموت ! ثمّ أدخله » فدخل ، وقد اضطجع سليمان ، وسجى على نفسه ، وجعل يتنفّس تنفّس الهالك . فلمّا نظر إليه ؛ ترجّع واستغفر . ثمّ خرج عنه ، فمضى من فوره إلى هاشم بن عبد العزيز قيّم الدولة ؛ فعرّفه حال سليمان « وأنّه يعالج الموت ، وما أظنّه يبلغ وقت